حساب جديد

التكلفة الخفية للعزلة العلمية: دروس من نظام البحث العلمي في السودان

تتأمل زينب عثمان في ثلاثة عقود من بناء العلوم في ظل العقوبات والعزلة.
صورة شخصية لزينب عثمان

الأستاذة زينب عثمان

باحث في مجال المواد الحيوية المستدامة والمدير العام السابق للمركز القومي للبحوث في السودان

كان من المفترض أن يكون هذا أول منشور دولي لأحد طلابي في برنامج الماجستير. 

بعد أشهر من العمل الدؤوب في المختبر، نجح فريقنا البحثي في ​​تطوير ألواح مركبة صديقة للبيئة لصناعة الأثاث، باستخدام أنواع أشجار سودانية غير مستغلة بالشكل الأمثل. كما استخلصنا مركبات فينولية طبيعية من لحاء هذه الأشجار لإنتاج مادة مضافة حيوية تقلل من انبعاثات الفورمالديهايد من مواد لاصقة الخشب التقليدية. وقد أظهر هذا المشروع كيف يمكن تحويل موارد الغابات المحلية إلى مواد أكثر أمانًا واستدامة، مع خلق قيمة مضافة من أنواع الأشجار المهملة. 

لقد كنا فخورين بالنتائج. والأهم من ذلك، كنا متحمسين لأن هذا سيصبح أول منشور دولي لباحث شاب موهوب في بداية مسيرته العلمية.  

عندما قدمنا ​​المخطوطة إلى مجلة دولية متخصصة، توقعنا نقداً علمياً، وتعليقات من المحكمين، وربما طلبات للمراجعة. لكننا فوجئنا بأن الناشر لا يستطيع النظر في المخطوطات المقدمة من المؤسسات السودانية، نظراً لأن السودان كان خاضعاً لعقوبات أمريكية آنذاك. 

على الرغم من أن هذه العقوبات كانت أمريكية، إلا أن تأثيرها امتد إلى ما هو أبعد من الولايات المتحدة. فقد عملت العديد من دور النشر العلمية كمنظمات متعددة الجنسيات، وطبقت سياسات الامتثال للعقوبات في جميع عملياتها الدولية. 

نُشرت الورقة البحثية في نهاية المطاف في مجلة إقليمية محكمة، وكنا ممتنين لأن البحث وجد مكاناً علمياً مناسباً. ومع ذلك، لطالما تساءلتُ كيف كانت ستختلف مسيرة ذلك الباحث الشاب لو أن منشوره الأول وصل إلى المجتمع العلمي الدولي الأوسع. 

لقد علمتني تلك التجربة أن أكبر ثمن للعزلة العلمية لا يُقاس دائماً بعدد الأبحاث المرفوضة، بل بالفرص التي لا تُمنح أبداً. 

إرث علمي بُني على مدى قرن من الزمان 

يمتد الإرث العلمي للسودان لأكثر من مئة عام. بدأ البحث الزراعي المنظم عام 1902، وتلاه إنشاء مختبرات ويلكوم للأبحاث الاستوائية عام 1905. كما عززت الأبحاث الطبية في جامعة الخرطوم وإنشاء المركز القومي للبحوث عام 1970 الأسس العلمية للبلاد. وفي عام 1991، أُعيد هيكلة المجلس القومي للبحوث وتغيير اسمه إلى... المركز الوطني للبحوث (NCR)والتي لا تزال بمثابة المؤسسة البحثية الوطنية الرئيسية في السودان.

على مدى عقود، أنشأ السودان مؤسسات بحثية مرموقة وأخرّج أجيالاً من العلماء ذوي الكفاءة العالية. وحتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، استقطب المجلس القومي للبحوث دعماً من شركاء دوليين في أوروبا وأمريكا الشمالية، وساهم الباحثون السودانيون في تحقيق تقدم في مجالات الزراعة والطب والهندسة والعلوم الطبيعية.

أدت التغيرات السياسية التي شهدها عام 1989 والعقوبات الأمريكية التي فُرضت عام 1995 إلى تغيير هذا المسار. فقد صنّفت الولايات المتحدة السودان دولة راعية للإرهاب عام 1993، مستندةً إلى مزاعم دعم الحكومة السودانية لمنظمات إرهابية دولية. وفي عام 1997، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية شاملة من خلال الأمر التنفيذي 13067وأشاروا إلى مخاوف بشأن الإرهاب والأمن الإقليمي وانتهاكات حقوق الإنسان. وامتدت العواقب إلى ما هو أبعد من الجوانب الاقتصادية، حيث أصبح البحث العلمي معزولاً بشكل متزايد عن المجتمع الدولي. 

1 الدرس: لا يعتمد التميز العلمي على الباحثين الموهوبين والمختبرات المجهزة تجهيزاً جيداً فحسب، بل يعتمد أيضاً على الوصول إلى النظام البيئي العلمي العالمي. 


انك قد تكون مهتمة ايضا في

مدونة
١٣ أغسطس ٢٠٢٣ - 9 دقائق للقراءة

العلم في خطر: سباق مع الزمن لحماية البذور والعلوم في السودان

لمعرفة المزيد اعرف المزيد عن العلوم في خطر: سباق مع الزمن لحماية البذور والعلوم في السودان
متحف السودان القومي مدونة
10 سبتمبر 2024 - 12 دقائق للقراءة

نهب المتحف القومي السوداني.. ما هو على المحك أكثر من الكنوز القديمة التي لا تقدر بثمن

لمعرفة المزيد تعرف على المزيد عن نهب المتحف القومي بالسودان – ما هو على المحك أكثر من الكنوز القديمة التي لا تقدر بثمن

عندما كان المختبر جاهزًا، لكن العلم لم يتمكن من التقدم. 

لقد عدت إلى السودان بعد إكمال درجة الدكتوراه في العلوم والتكنولوجيا الصناعية في جامعة لورين في فرنسا وزمالة ما بعد الدكتوراه في كلية البوليمرات للكيمياء بجامعة ويتواترسراند في جنوب إفريقيا في عام 2006. بعد أن عملت في بيئات بحثية متصلة دوليًا، كنت معتادًا على التعاون عبر الحدود والنشر في المجلات الدولية المرموقة. 

في عام ٢٠١٠، توليتُ منصب مدير معهد البحوث التكنولوجية بالمركز الوطني للبحوث، بحماسٍ كبير وعزيمةٍ راسخة لتعزيز البحث العلمي في السودان. وقد دعمت وزارة المالية بسخاء تحديث مختبراتنا. توفر التمويل اللازم لشراء معدات علمية متطورة، إلا أن الحصول على هذه الأجهزة شكّل تحديًا غير متوقع. فقد امتنع العديد من الموردين الدوليين عن بيع معدات المختبرات أو المكونات الأساسية للمؤسسات السودانية بسبب العقوبات. ورغم أن هذه الإجراءات كانت موجهة بالدرجة الأولى إلى الحكومة السودانية، إلا أن تطبيقها من قبل الشركات متعددة الجنسيات امتد في كثير من الأحيان إلى عمليات تجارية أوسع. تبنت الشركات سياسات صارمة للامتثال للعقوبات عبر شبكاتها العالمية، مما يعني أن الباحثين السودانيين واجهوا عقبات حتى عند التعامل مع الموردين والمؤسسات خارج الولايات المتحدة. لم تؤثر هذه التحديات على الوصول إلى المعدات العلمية ومواد البحث فحسب، بل أثرت أيضًا على المشاركة الأوسع في النظام العلمي الدولي، بما في ذلك فرص النشر والتعاون. في بعض الحالات، لم تتمكن شركات في الدول المجاورة من توفير المواد الأساسية لأنها كانت شركات تابعة أو موزعين أو شركاء لشركات متعددة الجنسيات ملزمة بالامتثال لهذه القيود. 

ساهمت هذه الحواجز المتراكمة في زيادة عزلة العلماء السودانيين عن مجتمع البحث العالمي، مما حد من فرص التعاون الدولي، والوصول إلى الموارد العلمية، والقدرة على إجراء البحوث على المستوى المطلوب للتنافسية العالمية. 

انعكس أثر العزلة أيضاً في ضياع فرص تعزيز القدرات البحثية. فعلى سبيل المثال، لم نتمكن من الاستفادة الكاملة من بعض المبادرات العلمية الدولية، بما في ذلك الفرص المتعلقة بإنشاء ودعم مرافق مختبرية متطورة. لم تقتصر هذه الفرص الضائعة على فقدان المعدات أو البنية التحتية فحسب، بل حدّت أيضاً من قدرة الباحثين على تطوير مهارات جديدة، وبناء شبكات علاقات، والمشاركة الفعّالة في المجتمع العلمي العالمي. 

بعد أشهر من المحاولات غير الناجحة، اضطررتُ مُرغماً إلى اللجوء إلى موردين بديلين. وقد تسببت هذه التأخيرات في تأجيل مشاريع البحث، وأجبرت طلاب الماجستير على تمديد دراستهم لأكثر من عام. 

وفي نهاية المطاف، أصبحت مختبراتنا جاهزة للعمل، وأنتج باحثونا أعمالاً ذات جودة علمية عالية. 

كنا نعتقد أن الجزء الصعب قد انتهى. في الحقيقة، لم يكن قد بدأ إلا للتو. 

عندما لا يجد البحث الجيد مكاناً يذهب إليه 

أصبح النشر عائقًا آخر. 

بالنسبة للعديد من الباحثين، تمثل الورقة البحثية المقبولة أكثر بكثير من مجرد إضافة سطر إلى السيرة الذاتية. إنها اعتراف بأن سنوات من العمل الجاد قد أسهمت في تقدم المعرفة. كثيراً ما أتذكر سنواتي في جنوب إفريقيا، حيث كان الزملاء يحتفلون معاً بكل منشور جديد.  

عند عودتي إلى السودان، شاهدتُ باحثين يُكرّسون شهورًا، بل سنوات أحيانًا، لإنتاج بحوث علمية متميزة، ليكتشفوا في النهاية أن مشاركتها مع المجتمع الدولي قد تكون أصعب بكثير من إجراء البحث نفسه. لطالما وجدتُ نفسي أفكر في الوقت المُستثمر، والمواد الكيميائية المخبرية النادرة، والتمويل الحكومي، وتفاني الطلاب، والساعات الطويلة التي تُقضى في المختبر. لم تكن الخسارة الحقيقية مجرد مخطوطة غير منشورة، بل كانت خسارة خفية لفرص علمية ضائعة. 

لا يقتصر الظهور العلمي على النشر في المجلات العلمية فحسب، بل يتطلب أيضاً حضوراً مؤسسياً قوياً على الإنترنت، مما يتيح للباحثين مشاركة أعمالهم، وبناء شراكات، وإظهار قدراتهم العلمية للعالم. ومع ذلك، حتى هذا الشكل الأساسي من الظهور كان غالباً بعيد المنال. خلال سنوات عملي في المركز القومي للبحوث، باءت محاولاتنا المتكررة لإنشاء موقع إلكتروني رسمي للمركز ومعاهده البحثية بالفشل، نظراً لحجب الوصول إلى خدمات استضافة المواقع الإلكترونية الأساسية والخدمات الرقمية ذات الصلة بموجب العقوبات الأمريكية. ونتيجة لذلك، ظل جزء كبير من العمل العلمي السوداني غير مرئي إلى حد كبير للمجتمع البحثي الدولي، مما حدّ من فرص التعاون والاعتراف وتبادل المعرفة. 

2 الدرس: إن العزلة العلمية تتجاوز النشر بكثير. فهي تقلل من الظهور، وتضعف التعاون الدولي، وتثبط عزيمة الجيل القادم من الباحثين، وتبطئ في نهاية المطاف الابتكار العلمي. 

المسار الخفي نحو النشر المفترس 

عندما انتقلت إلى مناصب قيادية في مجال البحث العلمي، أولاً كمدير لمعهدي ثم كمدير عام للمركز الوطني للبحوث، بدأت أدرك أن هذه لم تكن تجربة معزولة، بل كانت تحدياً نظامياً يؤثر على العديد من المجموعات البحثية. 

إحدى النتائج التي أقلقني بشدة: لجوء الباحثين الموهوبين بشكل متزايد إلى المجلات المفترسة، لأن الوصول إلى قنوات النشر الشرعية أصبح صعباً. عندما كان العلماء الشباب يأتون إلى مكتبي بفخر معلنين قبول أبحاثهم، كنت غالباً ما أجد نفسي متردداً بين تهنئتهم أو الشعور بالحزن على الظروف التي لم تترك لهم سوى خيارات قليلة. 

وقد دفعني هذا الوضع إلى تنظيم دورات تدريبية حول أخلاقيات النشر والمجلات المفترسة، بدءًا من معهدي الخاص ثم توسيع هذه الأنشطة لاحقًا لتشمل المركز الوطني للبحوث. 

لم تكن المشكلة أبدًا نقصًا في القدرات العلمية، بل كانت الفجوة المتزايدة بين الباحثين الأكفاء ونظام النشر العلمي الدولي. 

3 الدرس: لا يُعدّ النشر المفترس دائمًا نتيجة لقرارات خاطئة من جانب الباحثين الأفراد، بل يعكس أحيانًا عوائق هيكلية أعمق داخل النظام البيئي البحثي العالمي. 

كسر العزلة من خلال التعاون 

إذا كانت العزلة جزءًا من المشكلة، فلا بد أن يصبح التعاون جزءًا من الحل. 

شجعتُ الباحثين على بناء شراكات دولية، وإقامة مشاريع بحثية مشتركة، والنشر مع زملائهم في الخارج كلما سنحت الفرص. كما استفدنا بشكل كبير من الشتات العلمي السوداني من خلال مبادرات الأمم المتحدة مثل توكتينمما ساعد على إعادة ربط الباحثين السودانيين بالمجتمع العلمي العالمي، ورفع مستوى البحث السوداني في المؤتمرات الدولية، بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية. 

كما استفدنا من برامج التنقل المشتركة مثل برنامج NAPATA، الممول جزئياً من قبل وزارة التعليم العالي السودانية ومنظمة Campus Franceأتاح لنا ذلك تبادل الباحثين وطلاب الدراسات العليا بين السودان وفرنسا. وإلى جانب الاحتكاك التقني، كان لهذه الزيارات أثر نفسي بالغ الأهمية: إذ إن رؤية مختبراتهم المحلية تستخدم معدات مماثلة لأحدث المرافق الفرنسية ساعدت باحثينا الشباب على التخلص من شعورهم بالتخلف عن الركب، واستبدلت العزلة بثقة مهنية حقيقية. 

طالبات سودانيات في مختبر
باحثون سودانيون خلال زيارتهم لموقع IPREM (موقع مون دو مارسان))، جامعة باو ومنطقة باي دو لادور (UPPA)، كجزء من برنامج التنقل NAPATA في عام 2022.

أثبتت العلاقات المباشرة بين الباحثين أنها بالغة الأهمية. فعندما التقيت عالماً أمريكياً في مؤتمر بأوروبا، اعترف بأنه رغم عدم قدرته على تمويل المنح الدراسية في الولايات المتحدة، إلا أنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع العديد من الجامعات الصينية. وقد أثمرت تلك المحادثة الصريحة عن شراكة مع مؤسسات صينية مرموقة، مما أتاح لي إرسال سبعة طلاب دكتوراه لإجراء أبحاث متقدمة، بالإضافة إلى فني مختبر لتلقي تدريب متخصص. 

أظهرت تجاربي الدولية المشتركة لاحقاً مدى تأثير هذه الشراكات التحويلية. فقد فتح التعاون آفاقاً لشبكات جديدة، وحسّن من مستوى الظهور، وعزز جودة البحث، وخلق فرصاً كانت ستظل بعيدة المنال لولا ذلك. 

4 الدرس: تجاوز التعاون الدولي كونه مجرد نشاط أكاديمي، ليصبح شريان حياة. فقد ساهم في إبراز المعرفة السودانية على الساحة العالمية، وفتح آفاقاً دولية حيوية أمام علمائنا. وبفضل استعادة الثقة وتعزيز الحضور، حوّلت هذه الشراكات العزلة الجغرافية إلى مشاركة عالمية فعّالة. 

النظر إلى ما وراء السودان 

على الرغم من أن هذه المقالة متجذرة في تجربة السودان، إلا أنني أعتقد أن رسالتها تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. 

لا تزال الصراعات والتوترات الجيوسياسية والقيود الاقتصادية وغيرها من الأزمات العالمية تؤثر على الباحثين في أنحاء كثيرة من العالم. وعندما ينعزل العلماء عن الشبكات الدولية، تتجاوز العواقب ذلك بكثير مساراتهم المهنية الفردية، إذ تفقد أنظمة بحثية بأكملها حضورها، ويتباطأ الابتكار، وتتعرض معارف قيّمة لخطر الضياع. 

لذا، فإن حماية التعاون العلمي الدولي لا تقتصر على دعم الباحثين الأفراد فحسب، بل تتعلق بحماية القدرة الجماعية للبشرية على توليد المعرفة، وحل التحديات العالمية، وتدريب الجيل القادم من العلماء. 

بالنظر إلى الوراء على مدى أكثر من ثلاثة عقود في مجال البحث، بصفتي عالماً وقائداً بحثياً ومديراً عاماً للمركز الوطني للبحوث في السودان، فقد توصلت إلى قناعة بأن أكبر تهديد للعلم ليس نقص المواهب أو الأفكار، بل هو العزلة العلمية.  

في السودان، لم ينشأ هذا العزل من فراغ. بل تطور على مدى سنوات عديدة نتيجة للقرارات السياسية والعقوبات الدولية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي طال أمده في البلاد. 

عندما صنّفت الولايات المتحدة السودان دولة راعية للإرهاب، ازدادت صعوبة التعاون العلمي الدولي. فقد خلقت القيود المالية، والعوائق التي تحول دون المعاملات الدولية، والسياسات الحذرة التي تبنتها العديد من المؤسسات ودور النشر ومنظمات التمويل، عقباتٍ تجاوزت بكثير النطاق السياسي. ورغم أن هذه الإجراءات كانت موجهة ضد الدولة، إلا أن تبعاتها طالت باحثين أفرادًا وجامعات ومؤسسات علمية لم يكن لها أي دور في الظروف السياسية التي أدت إليها. وكانت النتيجة عزلة تدريجية لمجتمع علمي بأكمله عن التبادل العالمي للمعرفة. 

يزدهر العلم عندما تتاح للمعرفة والباحثين والأفكار حرية التنقل عبر الحدود. وبينما تعمل الأنظمة العلمية ضمن سياقات سياسية، ينبغي أن يظل الوصول إلى المعرفة العلمية والتعاون العلمي مفتوحًا وشاملًا قدر الإمكان. إن حماية التبادل العلمي من العوائق السياسية أمرٌ بالغ الأهمية لضمان مساهمة الباحثين الموهوبين، أينما كانوا، في مواجهة التحديات التي تواجه البشرية. 

تنمو المعرفة العلمية عندما تُشارك عبر الحدود. لذا، فإن ضمان حصول كل باحث على فرصة المساهمة في هذا المسعى المشترك ليس مجرد مسؤولية علمية، بل هو أيضاً التزامٌ بالصالح العام العالمي وتراثنا العلمي المشترك. ولا يمكن حل التحديات الأكثر إلحاحاً في العالم، كالتغير المناخي والأوبئة والأمن الغذائي وفقدان التنوع البيولوجي والتنمية المستدامة، من قِبل مجتمعات علمية منعزلة. 

تُظهر تجربة السودان أن التميز العلمي لا تحدده الجغرافيا أو السياسة. فعلى الرغم من عقود من العزلة، واصل العلماء السودانيون إسهاماتهم في الجهود العلمية العالمية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الدكتورة بلجس عثمان العاشة من المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية (HCENR)، الذي شغل منصب المؤلف الرئيسي للتقرير التقييمي الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). وقد حظي عمل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بالتقدير من خلال جائزة نوبل للسلام 2007، مُنحت بشكل مشترك للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وآل غور. 33˒4 يُبرهن هذا الإنجاز على أن العلماء من الدول التي تواجه عزلة سياسية واقتصادية قادرون على تقديم إسهامات قيّمة في مواجهة التحديات العالمية عندما تُتاح لهم فرصة المشاركة في التعاون العلمي الدولي. إن استبعاد العلماء بسبب النزاعات أو العقوبات أو العوائق السياسية لا يُلحق الضرر بالأفراد فحسب، بل يحرم المجتمع العلمي العالمي من المعرفة التي يُمكن أن تُساعد في مواجهة التحديات التي تُؤثر علينا جميعًا. 


تعرف على المزيد حول عملنا في العلم في أوقات الأزمات.


ابق على اطلاع مع نشراتنا الإخبارية

تصوير عمار ناصر on Unsplash

إخلاء مسؤولية
إن المعلومات والآراء والتوصيات الواردة في مدونات ضيوفنا هي آراء المساهمين الأفراد ولا تعكس بالضرورة قيم ومعتقدات المجلس الدولي للعلوم.