حساب جديد

إعادة التفكير في الحياة الكريمة: التنمية البشرية بما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي

ما معنى الحياة الكريمة؟ هل يمكن تحقيق هذه الحياة ضمن حدود كوكبنا، للجميع، ودون المساس بآفاق الأجيال القادمة؟ هذه ليست أسئلة فلسفية مجردة، بل هي جوهر النقاشات المعاصرة حول التنمية الاجتماعية، والتي تتكشف في خضم التغيرات الديموغرافية المتسارعة، والتحولات التكنولوجية، والضغوط البيئية المتزايدة.

على الرغم من عقود من العمل على التنمية المستدامة، لا يزال الناتج المحلي الإجمالي يهيمن على سياسات التنمية كمعيار أساسي. فبينما يُعدّ مفيدًا كمقياس للنشاط الاقتصادي، إلا أن استخدامه كمؤشر للتنمية قد يُضيّق نطاق أهدافنا، مُهمّشًا الأبعاد الاجتماعية والبيئية التي تُشكّل أساس رفاهية الإنسان واستدامة الحياة. في الواقع، لم يعد بالإمكان فهم التنمية أو قياسها بشكل موثوق دون تحديث فهمنا لمعنى الإنسانية، الذي بات مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعلاقاتنا مع العالم الطبيعي والتكنولوجيا ومع بعضنا البعض.

كان توسيع نموذج التنمية أحد المواضيع الرئيسية للنقاش. القمة العالمية للتنمية الاجتماعية (القمة العالمية للتنمية المستدامة) التي ستعقد في قطر في نوفمبر 2025، بعد ثلاثين عاماً من أول WSSD عُقدت في الدنمارك. والنتيجة إعلان الدوحة يتناول قضايا مثل تغير المناخ، والتحول الرقمي، والأمن الغذائي، والمعلومات المضللة، والإصلاح المالي العالمي، بالإضافة إلى مواضيع إعلان كوبنهاغن.

انطلاقاً من روح ترسيخ نموذج تنموي جديد على أسس علمية متينة وفهم مشترك، شارك مركز العلوم الدولية في استضافة فعالية جانبية، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و مجلس قطر للبحوث والتطوير والابتكار، لاستكشاف كيفية تحسين مفاهيم وقياس الرفاه متعدد الأبعاد، كتتويج لمشروعها حول إعادة التفكير في التنمية البشرية.

الحدث الجانبي، بعنوان "إعادة التفكير في التنمية: رؤى من أجل تسريع العمل في عالم اليوم"، مما أتاح الفرصة لتبادل نتائج فريق الخبراء رفيع المستوى المعني بما يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي تم تأسيسها في مايو 2025، إلى جانب ورقة عمل ISC كيف نقيس الرفاهية؟ إعادة النظر في مؤشر التنمية البشرية.


كيف نقيس الرفاهية؟ إعادة النظر في مؤشر التنمية البشرية. المجلس الدولي للعلوم

يوليو ٢٠٢٠


نظرة أوسع للرفاهية

أوضح الرئيس المشارك، كوشيك باسو، دوافع فريق الخبراء، مشيرًا إلى أن عالمنا المعاصر المستقطب يتطلب دراسة معمقة للقواعد الاقتصادية التي اعتمدناها، غالبًا دون وعي، وتداعياتها الاجتماعية. وأكد أن تجاوز الناتج المحلي الإجمالي يهدف في نهاية المطاف إلى تنمية "فهم أوسع للمجتمع الإنساني، وقيمنا المشتركة، ومفهومنا للتقدم"، بما في ذلك الصحة والرفاهية، وحتى الحياة الثقافية. كما ناقش المشاركون أهمية المؤشرات الذاتية، مثل تصورات الناس للسياسات، على الرغم من التحديات التي تطرحها هذه المؤشرات في القياس. وسلطت الجلسة الضوء أيضًا على المحاولات القائمة لجمع بيانات أكثر دقة وتفصيلًا.

في تقريرها التقرير المرحليحددت مجموعة الخبراء سبعة مجالات لتعكس بشكل أفضل ما يهم الناس والكوكب:

  • الرفاه المادي، بما في ذلك الأمن الاقتصادي؛
  • الصحية ، ببيانات أكثر دقة من متوسط ​​العمر المتوقع؛
  • التعليم، باعتبارها مشاركة ذات مغزى في المجتمع؛
  • الاستدامة البيئية، مثل حماية التنوع البيولوجي؛
  • الرفاهية الذاتيةمثل الرضا عن الحياة؛
  • الرأسمالية الاجتماعية، مثل الروابط المجتمعية والثقة؛
  • الحكم، بما في ذلك المشاركة في صنع القرار.

بحسب الرئيسة المشاركة نورا لوستيج، فإن التحدي التالي هو تحديد "أ محدود "مجموعة من المؤشرات بنفس مكانة الناتج المحلي الإجمالي." كما سلطت الضوء على سؤال منهجي محوري: ما إذا كان ينبغي تجميع هذه الأبعاد في مؤشر مركب، كما هو الحال مع مؤشر التنمية البشرية (HDI)، أو عرضها من خلال نهج لوحة المعلومات.

في نهاية المطاف، يجب أن يوجه الغرض من أي مؤشر لرفاهية الإنسان تصميمه. فإلى جانب دعم رفاهية الجميع، ولا سيما الفئات الأكثر تهميشًا، ينبغي أن يُمكّن هذا المؤشر الحوار داخل البلدان وفيما بينها، وأن يراعي حقوق واحتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية. وهذا يستلزم مؤشرًا معقدًا، ولكنه شفاف وقابل للتكرار، وقادر على تحليل البيانات على مختلف المستويات والفئات والأبعاد. ولذلك، يجب مراعاة القدرة الإحصائية، لا سيما في سياقات البلدان ذات الدخل المنخفض، عند اتخاذ القرارات.

مع ذلك، حذر المشاركون من أن أي قياس للتقدم الاجتماعي واختزاله إلى مؤشرات قد يؤدي إلى نظرة قصيرة الأجل، إذا لم تُصمم هذه القياسات بعناية. فالمؤسسات وهياكل الحوكمة لها دور بالغ الأهمية في ضمان شعور الناس بأن لهم مصلحة في المستقبل. علاوة على ذلك، لا تقتصر الاستدامة على الجانب البيئي فحسب، بل تشمل الجانب المالي أيضاً: إذ يجب أن تكون البرامج الاجتماعية شاملة ومستدامة حتى لا تُضعف التماسك الاجتماعي. وكما لاحظ أحد المشاركين بأسلوب استفزازي، فإن وعد "عدم ترك أحد خلف الركب" قد يتحول إلى "مشكلة لا تهم أحداً" إذا غابت المسؤولية والمساءلة.

لقد حان الوقت المناسب

أشار العديد من المتحدثين إلى "الخبر السار" المتمثل في تزايد استعداد الجمهور لتكييف المؤسسات والسياسات والخيارات من أجل حياة كريمة، حاضراً ومستقبلاً. وهناك إجماع واسع على ضرورة إدراج العوامل البيئية والاجتماعية (لا سيما عدم المساواة والتماسك الاجتماعي) لتوسيع مفهومنا للتنمية. لم يعد التحدي نظرياً، بل مؤسسياً: يتمثل في التصميم الإبداعي لأطر جديدة لعمليات الميزانية، والنماذج التشريعية، وممارسات الحوكمة. لكن ضمان الإجماع العام، فضلاً عن الإجماع النظري والتقني والسياسي، يتطلب حواراً مستمراً وعملاً تعاونياً يشمل الحكومات والشركات والمجتمع المدني والمواطنين.

علاوة على ذلك، تُعدّ المعرفة جوهر التنمية الاجتماعية. وقد لاحظ المشاركون أن العلوم الاجتماعية والإنسانية تتعرض لضغوط متزايدة داخل أنظمة التعليم العالي في جميع أنحاء العالم. وقد دفع هذا إلى المطالبة بنهج أكثر شمولية لإنتاج المعرفة، يتبنى وجهات نظر متعددة. ومن بين الاستجابات لهذا التوجه مشروع ISC. مسائل العلوم الاجتماعيةتم إطلاقها في القمة، والتي تسعى إلى تعزيز دور العلوم الاجتماعية والإنسانية وإبرازها في الاستجابة لتحديات الاستدامة.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، أسفرت جهود التنمية الاجتماعية عن انتشال ملايين الأشخاص من براثن الفقر، وتوسيع آفاق الحياة أمام الكثيرين. إلا أن التقدم المحرز متفاوت وهش. لذا، يجب أن تبقى أولوية قصوى تحسين أوضاع ملايين آخرين يعيشون في ظروف فقر متعدد الأبعاد، مع ضمان مستقبل الأجيال القادمة. ولن يعتمد النجاح على وضع معايير مفهومة ومقبولة على نطاق واسع فحسب، بل أيضاً على فهم أخلاقي مشترك لمعنى "العيش الكريم" الآن وللأجيال القادمة.


تصوير جيمس ويلر on Unsplash

ابق على اطلاع مع نشراتنا الإخبارية